علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

177

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

بإذن اللّه فعاشوا ، وقيل إنهم قالوا حين أحيوا سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلّا أنت ثم رجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلّا عاد دنسا مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم . قال ابن عباس : وإنها لتوجد اليوم تلك الريح في ذلك السبط من اليهود : قال قتادة : مقتهم اللّه على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثهم اللّه ليستوفوا بقية آجالهم ولو جاءت آجالهم لما بعثوا . فإن قلت كيف أميت هؤلاء مرتين في الدنيا وقد قال اللّه تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى قلت إن موتهم كان عقوبة لهم كما قال قتادة وقيل إن موتهم وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النبي ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات ، ونوادر فلا يقاس عليها فيكون قوله إلّا الموتة الأولى عاما مخصوصا بمعجزات الأنبياء أي إلّا الموتة الأولى التي ليست من معجزات الأنبياء ولا من خوارق العادات وفي هذه الآية احتجاج على اليهود ومعجزة عظيمة لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه وهم يعلمون صحة ذلك وفيه احتجاج على منكري البعث أيضا إذ قد أخبر اللّه تعالى وهو الصادق في خبره أنه أماتهم ثم أحياهم في الدنيا فهو تعالى قادر على أن يحييهم يوم القيامة ، وقوله تعالى : حَذَرَ الْمَوْتِ أي مخافة الطاعون وكان قد نزل بهم وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا يحتمل أنهم ماتوا عند قوله تعالى مُوتُوا ويحتمل أن يكون ذلك أمر تحويل فهو كقوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * ثُمَّ أَحْياهُمْ يعني بعد موتهم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني أن اللّه تعالى تفضل على أولئك الذين أماتهم باحيائهم لأنهم ماتوا على معصيته فتفضل عليهم بإعادتهم إلى الدنيا ليتوبوا وقيل هو على العموم فهو تعالى متفضل على كافة الخلق في الدنيا ويخص المؤمنين بفضله يوم القيامة وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يعني أن أكثر من أنعم اللّه عليه لا يشكره أما الكافر فإنه لم يشكره أصلا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية شكره . قوله عز وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 244 إلى 245 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل هو خطاب للذين أحيوا أحياهم اللّه ثم أمرهم بالجهاد فعلى هذا القول فيه إضمار تقديره وقيل لهم قاتلوا في سبيل اللّه وقيل هو خطاب لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ومعناه لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء فلم ينفعهم ذلك ففيه تحريض للمؤمنين على الجهاد وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يعني لما يقوله المتعلل عن القتال عَلِيمٌ بما يضمره . قوله عز وجل : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه فسمى اللّه تعالى عمل المؤمنين له قرضا على رجاء ما وعدهم به من الثواب لأنهم يعلمون لطلب الثواب ، وقيل : القرض من ما أسلفت من عمل صالح أو شيء قال أمية بن أبي الصلت : كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا * أو سيئا أو مدينا كالذي دانا وأصل القرض في اللغة القطع سمي به لأن المقرض يقطع من ماله شيئا فيعطيه ليرجع إليه مثله ومعنى الآية من ذا الذي يقدم لنفسه إلى اللّه ما يرجو ثوابه عنده وهذا تلطف من اللّه تعالى في استدعاء عباده إلى أعمال البر والطاعة وقيل في الآية اختصار تقديره من ذا الذي يقرض عباد اللّه والمحتاجين من خلقه فهو كقوله : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ أي يؤذون عباد اللّه ، وكما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يقول اللّه تبارك وتعالى يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال : يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ » الحديث ، واختلفوا في المراد بهذا القرض ، فقيل هو الإنفاق في سبيل اللّه ، وقيل هو الصدقة الواجبة قيل صدقة التطوع لأن اللّه تعالى سماه قرضا والقرض لا يكون إلّا تبرعا ولما روى الطبري بسنده عن ابن مسعود قال : لما نزلت : مَنْ ذَا الَّذِي